مارس عبد الله كوناتي مختلف أشكال الفن المعاصر، بدءاً من الرسم وصولاً إلى الفنون التركيبية، قبل أن يهتدي إلى اللغة البصرية الأكثر تعبيراً عن رؤيته للعالم التي أراد مشاركتها مع الآخرين. وقد منحته ممارسته الفنية الحرية لصقل تجاربه السابقة وصياغتها في قالب يجمع بين هذه العوالم المتباينة. وتؤكد لوحاته القماشية، المستلهمة من تقنية عريقة متوارثة، أن جميع التقنيات تكتسب طابعاً معاصراً بمجرد ترجمتها إلى لغة عالمية. ففي مجتمعنا المعاصر، حيث يبدو أن الذكاء الاصطناعي والوسائل التكنولوجية الحديثة في طريقها لتحل محل المهارة والخبرة الإنسانية، يسير كوناتي بثبات عكس تيارات الموضة وما يُسمى بالحداثة، مواصلاً تذكير العالم بأن الأيدي البشرية تظل الأداة الأكثر أصالة وموثوقية. ومن خلال نهجه وخياراته، يؤكد حضور الجماليات الإنسانية في مواجهة الإنتاج الصناعي، ويقف كممثل صامت للقيم البيئية التي يكثر الحديث عنها ويندر تطبيقها. فالعالم غالباً ما يكتفي بكلمات مُعاد صياغتها وتعديلها حتى تفقد أصولها في خضم الاقتباسات المتعددة. وتعود كلمة «إيكولوجيا» (علم البيئة) إلى الكلمتين الإغريقيتين «oikos» (البيت) و«logos» (العلم أو المعرفة). وإذا تمسكنا بالأصل اللغوي، فإن البيئة ينبغي ألا تُعاش كحركة تُعنى بالقضايا البيئية فحسب، بل كموقف فلسفي يشمل كافة القضايا المرتبطة بهذا الكوكب، بما فيها مسألة الإنسان نفسه. فـ «البيئة» بالمعنى المقصود هنا، والبيت أو الموطن المقترن بها، ليسا سوى الأرض؛ هذا البيت المشترك الذي لطالما كان عبد الله كوناتي مدافعاً نزيهاً ومخلصاً عنه.
كلما هممتُ بالكتابة عن عبد الله كوناتي، أجد لزاماً عليّ العودة إلى المنبع؛ والحديث عن العناصر التي تشكّل الإنسان قبل التطرق إلى الفنان. فممارسته بأكملها متجذرة أولاً في إنسانيته وفي نظرته إلى العالم من حوله. وإذا كان لا بد من مصطلح أكثر «تقنية» لتعريفه كفنان، لقلتُ إن عبد الله كوناتي هو رسام في المقام الأول. فالرسم في جوهره يقتضي وضع الألوان على سطح ما (كالخشب أو الورق أو القماش). وأحد التحولات الجوهرية التي أضافها كوناتي إلى مفهوم الرسم هو تخليه عن الأصباغ والمواد التقليدية في ممارسته واستبدالها بالمنسوجات. وبأسلوب متقن للغاية، انتقل من التصوير الذي يتضمن التجسيد إلى تجريد راديكالي أضحى فيه اللون هو اللغة الوحيدة. وأصبح مغزى رسالته يُترجم عبر هذا المنشور اللوني الذي يستحضره لإثارة المشاعر والأفكار والمواقف. فكل شيء في أعماله ينبع من الاستعارات، مما يمنح كل واحد منا حرية الإحساس والتأمل دون فرض أي نظريات مسبقة. ويقوم كوناتي ببناء عمله خطوة بخطوة حتى يصل إلى التوازن اللوني المنشود؛ إذ لا يمكن أن يوجد رسم دون لون يحقق هذا التوازن. وللتأكد من ذلك، ما على المرء إلا التعمق في تحليل الأعمال التي أبدعها على مر هذه السنين. فالنسيج يمثل الخامة التي يطلق من خلالها عنان إلهامه، بيد أن دوره لا يقتصر على هذه المكانة الساكنة؛ فالنسيج عنصر حيوي، بمعنى أنه يتحول بين يدي كوناتي إلى ألوان متدفقة. وهذه الألوان تمثل لغة مقدسة وتأملاً صامتاً في حال العالم؛ إنها رؤية كونية خفية تسعى لتحقيق توازن أرضي بين كافة قوى الطبيعة. وهناك دوماً بعدٌ روحي يتغلغل في أعمال كوناتي، وتطلّع سامٍ نحو الحكمة المتوارثة، ولعلها استعارة لما يمكن أن يكون عليه الفن؛ وطريقة تتيح لنا استشراف أسرار الأشياء البسيطة، أو كما كتب الشاعر رامبو: «أن نرى أحياناً ما ظن الناس أنهم رأوه».
إن الفن سر لا يمكن للكلمات الإحاطة به، والرسائل التي ينقلها والاستعارات التي يثيرها هي كشوفات تعيننا على استشعار السحر المحيط بنا. وهذا السحر بالذات هو ما يحاول الفنان المالي التقاطه ومشاركتنا إياه من خلال أعمال تنبض بالحيوية. وعند وصوله إلى أراضي شمال أفريقيا والشرق الأوسط، عاش تجربة لا يمكن وصفها إلا بأنها «إشراق وإلهام». وفي هذه السلسلة، يستكشف عبد الله كوناتي التدرجات المتنوعة للضوء. وسواء تجلى ذلك صراحة في العناوين أم لا، فإن هذا البحث الفلسفي والتأملي هو بلا شك المسار الذي اختار خوضه ويمضي فيه دون كلل، مستمداً إلهامه من الصحراء وامتداداتها اللامتناهية الزاخرة بالسراب والتحولات اللونية الدقيقة التي تعجز العين المجردة عن إدراكها. وبما أن كوناتي ينحدر من منطقة الساحل الإفريقي، فليس من المستغرب أن تتأثر حاسيته الفنية بتلك الألوان والأنوار الفريدة التي صادفها خلال ارتياده لهذه الأراضي التي ظل يزورها لسنوات طويلة. ولطالما حفلت لوحاته النسيجية بألوان شتى؛ ألوان أفريقيا، ووطنه الأم مالي، وألوان الأرض. ويمكن اعتبار عبد الله كوناتي بمثابة زارعٍ للفن، وصانعٍ يعتني بأدق الخيوط وأصغر التفاصيل ليُبرز إلى النور ما لا يُرى دائماً بالعين. عبد الله رجلٌ متمسك بالأصالة والتراث، شأنه شأن فن النسيج، غير أن التراث وُجد ليُجدد وتُبعث فيه الحياة. ورغم أن التقنية وفن نسج الخيوط يظلان ثابتين، إلا أن الرؤية الكامنة وراء هذا الجمع هي ما يصنع الفارق بأكمله. فقصاصات القماش لم تعد مجرد قطع نسيج عادية، بل أصبحت لوحة الألوان التي يصيغ منها كوناتي تناغمات وتنافرات مرهفة، وتدرجات لونية ورسوماً بصرية تتجدد باستمرار.
وفي أحدث أعماله، يتبوأ الضوء مكانة محورية، فهو الموضوع الأساسي حتى وإن لم يرد ذكره في العناوين؛ الضوء بوصفه نبع الحياة، والمنظم لإيقاع الطبيعة وحركة الزمن. ومن خلال هذه السلسلة الجديدة، يحاول كوناتي سبر أغواره وكشف أسراره، واضعاً في متناولنا ما كان خفياً عن أبصارنا. فالضوء ليس مجرد لون أبيض، بل هو حجاب؛ حجاب يتطلب فك شفرته رؤيته من الداخل ببصيرة الروح، إن أردنا التحرر من الخداع البصري الذي يأسر حواسنا. فالضوء الأبيض ينحل إلى طيف من الألوان التي تشكّل منشوره، وأقلها وضوحاً للعين هي البنفسجي الداكن والأزرق والأزرق المخضر، ثم تتدرج صعوداً لتصل إلى الأخضر والأصفر والبرتقالي والأحمر، وهي التي تصدر أطول الموجات الضوئية. هذه هي الألوان عينها التي نجدها في لوحات عبد الله كوناتي؛ الألوان ذاتها التي تضفي سحراً على طبيعتنا وتتألق ببريق استثنائي تحت شمس الصحراء الساطعة. وتأتي الأبيات المستعارة من علي فاركا توري لتذكرنا بأن رمال الصحراء تظل جزءاً من تراب هذه الأرض:
يا بكرَ أبيك، أتهابُ التراب؟
إن كنتَ لا تهابُ التراب، فانهض وارقص؛
وبقدميك، اضرب أديم الأرض.
إني لأشتهي أن أرى كعبيك يثيران الغبار.
هذه السلسلة المضيئة هي نشيد للأرض وترنيمة للفرح. وابن الأب البكر هذا لا ينبغي أن يُفهم بمعناه الحرفي؛ فالبكر هنا ليس سوى الكائن البشري؛ الإنسان الذي أساء بأنانيته وجشعه وطموحه إلى الأرض المعطاءة، نبع الحياة. وتدعونا كلمات علي فاركا توري إلى التصالح مع الطبيعة المحيطة بنا، تلك الطبيعة التي لا نملكها. فالضوء ليس مجرد ظاهرة فيزيائية، بل هو كشفٌ وتجلٍ؛ إنه يكشف عن الحكمة والمعرفة، وربما عن ذلك السر المراوغ الذي نسميه الحقيقة. فالعمل الفني «مصدر الضوء» يتكشف على خلفية خضراء، بينما يعتمد «مصدر الضوء (سداسي)» على خلفية حمراء. وتتجلى «زخارف عربية» على خلفية رمادية، في حين يمثل عمل «تمبكتو» تدرجاً لونياً يبدأ بالأزرق النيلي وينتهي بالأصفر يتخلله قوس أحمر. كما يتألق «مصدر الضوء (الشمس)» على خلفية من ألوان المغرة (الأوكر). وأياً كان العمل الذي نختاره، نجد دوماً بين ثناياه عناصر من هذا المنشور الذي يصنع الضوء.
إن أفريقيا ليست «قلب الظلام» كما زعم جوزيف كونراد، بل على العكس تماماً؛ إنها القارة التي تحتضن أبهى تجليات الضوء وأعظمها كثافة. والضوء لا يكذب؛ فالضوء، وفقاً للفيلسوف إيمانويل ليفيناس، يمثل النور الكامن في أعماق كل منا، والذي يقع على عاتق المعلمين والمربين كشفه عبر مساعدة طلابهم على العثور عليه في ذواتهم. لذا، فإن أعمال عبد الله كوناتي لا تكتفي بكونها فناً فحسب، بل تحمل رسالة تعليمية وتربوية أيضاً. ولنتوقف قليلاً عند العمل المعنون «تمبكتو»؛ إذ يحمل ملمس هذا العمل، بتدرجاته المتقلبة التي تبدأ بزرقة نيلية عميقة تحيلنا إلى زرقة الطوارق الشهيرة، أبعاداً ودلالات متعددة تستحضر فضاءً جغرافياً لتسليط الضوء على مضامين عميقة لا تدركها العين من الوهلة الأولى. فأولاً، هناك الإشارة إلى الصحراء وسكانها (الذين يعيشون في المغرب والجزائر وموريتانيا وكذلك مالي)، والملقبين بـ «الرجال الزرق»، نسبةً إلى «الدراعة»؛ ذلك الثوب التقليدي ذي اللون النيلي غالباً، والذي تعود أصوله إلى القرنين السابع أو الثامن، ليقيهم قيظ الشمس وعواصف الرمال، وهو لون أزرق تروي الأساطير أنه تغلغل في بشرتهم التي لوحتها شمس الصحراء.
وهناك أيضاً تلك المدينة الأسطورية التي كابدت ويلات حرب دفينة هزت أركان البلاد لسنوات طوال، وأضحت رمزاً معاصراً للتوترات الدينية والسياسية التي تعصف بالمنطقة برمتها، وأيقونة للواقع المرير الذي يشهده العالم اليوم. ومع ذلك، تبقى تمبكتو في الوقت ذاته منارة للأمل والنور، بالمعنى الذي تبناه فلاسفة أوروبا في عصر التنوير خلال القرن الثامن عشر؛ فقد احتضنت تمبكتو واحدة من أقدم جامعات العالم، وهي مدرسة أو جامعة أو جامع «سانكوري» التي شُيدت عام 1325م. لقد خرّجت أجيالاً من العلماء والمفكرين وكانت مقصداً رئيسياً لكل طلاب العلم في المنطقة وما وراءها، لتجسد تاريخ أفريقيا العريق الذي أنكر وجوده فلاسفة من أمثال هيغل. لقد نشرت تمبكتو ذلك النور الخفي الذي يغذي الأرواح والعقول؛ وتعد هذه الجامعة، المبنية من الطين المخلوط بالقش (البانكو)، تحية تقدير أخرى للأرض، التي تظل الأم الكبرى لكل إفريقي.