د. محمد يوسف وماغي أوتينو: العزاء في التربة

31 مايو 2024 – 6 أكتوبر 2024 إيفي غاليري، دبي الإمارات العربية المتحدة

إنّ معرض "عزاءٌ في التراب" يمثل استكشافاً للعلاقة الثنائية التفاعلية بين الفنانين وخاماتهم الفنية التي يختارونها، حيث يتم تقديم أعمال كل من ماغي أوتينو (نيروبي، كينيا) والدكتور محمد يوسف (الشارقة، الإمارات العربية المتحدة) معاً لأول مرة. وعلى الرغم من اختلاف خلفياتهما الجغرافية والثقافية، إلا أن هناك خيطاً مشتركاً يربط بينهما يكمن في علاقتهما بالأرض والعملية الإبداعية التي يعبران عنها من خلال تصويرات متميزة ومتعددة الأوجه. إن مفهوم العزاء، في السياق الاجتماعي المعاصر، غالباً ما يقتصر على فهم المشاعر الإنسانية. أما في سياق هذا المعرض، فإنه يمثل تبادلاً وتفاعلاً بين الصانع، والمُنتج الإبداعي، والبيئة المحيطة بهما. فكيف تتيح الحرفة اليدوية فهماً للحياة والمشاعر يتجاوز الأساليب التقليدية للتعبير المادي الملموس؟ 

يكشف الفكر الفلسفي العميق في ممارسات كلا الفنانين عن الفكرة المهيمنة لديهما خلال عملية الإبداع الفني قبل العرض النهائي لأعمالهما. بالنسبة للفنانة ماغي أوتينو، يمثل العزاء شعوراً تضفيه على خاماتها الفنية من خلال الحرفية الدقيقة والعناية الفائقة التي تمنحها للمواد التالفة والمتهالكة التي تختارها لمنحوتاتها. فينشأ حوار تفاعلي بين الفنانة والخشب والمعدن، وهي تروي قصة التراب والأرض التي احتضنت هذه المواد يوماً ما. وتُعد عوارض السكك الحديدية التي تزيد أعمارها عن 150 عاماً من الخامات الأساسية في أعمال أوتينو، وهي متجذرة في سياق بيئي يرتبط بالعمل العضلي والآثار الاستعمارية. إن أعمالها بمثابة رواة قصص تتيح تجاوز تاريخ الأرض وتجاربها، وهي تلك التفاصيل التي تنبأ بها العديد من رجال القبائل في جميع أنحاء تلك البلاد، بما في ذلك "سيوكيماو"، وهي امرأة معالجة من قبيلة "كامبا"، والتي رأت الثعبان الحديدي يتلوى في طريقه عبر الأراضي الكينية. لقد كانت تلك نبوءة لما كان سيجلب التغيير، وهو نظام السكك الحديدية الذي أنشأته القوى الإمبريالية والاستعمارية على تلك الأرض؛ أي الأجنبي. وتؤثر تلك النبوءة، التي كانت غير ملموسة في السابق، على البنية الجسدية لشخصيات أوتينو المميزة بطريقة خالدة. ومن خلال حرفتها الفنية، تتم استعادة قيمة الخشب والمعدن وإعادة إحيائهما بطريقة تمنح الطمأنينة للمادة والفنانة على حد سواء؛ مما يرسخ رنيناً ثقافياً وتاريخياً في العمل الفني النهائي. وفهم هذا العمل يتطلب احترام القصة التي يستعد ليرويها، والقصة التي روتها المادة بالفعل. 

للوهلة الأولى، سيتلقى الزائر هذه الأعمال بشعور من الألفة وبمجموعة من الأفكار المسبقة. فما الذي تمثله هذه الأعمال، وما القصص التي يرغب الفنان في أن ترويها؟ تتحدى أوتينو والدكتور يوسف مفاهيم وتدريس تاريخ الفن الغربي المعاصر، وتحديداً معاني "القطع الفنية الجاهزة للاستخدام الصانع" (Readymade) و"الأشياء التي يُعثر عليها مصادفة وتُستخدم كفن" (Objet Trouvé). وبالمثل، تحافظ أعمال كلا الفنانين على الوظائف السابقة للخامات المدمجة في أعمالهما الفنية وتُقر بها. في واقع الأمر، لقد تم اختيار هذه الخامات بعناية فائقة نظراً للسياقات التي تحملها، ومن ثم تحديد قيمها ورواياتها الحالية. فمن الفولاذ الطري، والأخشاب الهندية، إلى لحاء الأشجار المجفف، وخوص النخيل المضفر، والمفارش، لا تتم إعادة تعريف المواد أو تجريدها من سياقها. بل إنها تحمل نفس القدر من الأهمية في تفردها كما هو الحال في تجمعها وترابطها الجماعي. 

بالنسبة للدكتور محمد يوسف، فإن عملية الإبداع هي سلوك فطري، يعود فيه طفلاً مرحاً، فضولياً، ومحباً للتجربة والاستكشاف. ويتسم أسلوبه بطبيعة عضوية تتمثل في طريقة تتناقض مع الممارسات التقليدية الصارمة للنحت، بعيداً عن الجوانب الهندسية وما يعتمد بشكل كبير على الروتين. فلا توجد قطعتان متشابهتان لديه. وسماع الدكتور يوسف وهو يتحدث عن أعماله، هو كمن يستمع إليه وهو يتحدث عن كائنات حية تتعايش معه. فقوافل الجمال التي ترتحل عبر الصحراء والنساء اللواتي يتوجهن إلى حفل زفاف، كلها مشاهد من البيئة المحيطة بالفنان وأسلوب حياته الذي يؤثر على ممارساته الفنية. وعندما يتم تقديم هذه المشاهد معاً فقط، فإنها تعكس جوهر تجربة مجتمعية مقصودة. وتتكون هذه المنحوتات، التي لم تُصنع وفق تخطيط مسبق، من أشياء يومية تحيط بالفنان؛ فتارة تكون مفارش منسوجة من خوص سعف النخيل المجفف ومصبوغة ببهارات وصبغات عضوية طبيعية، وتارة أخرى تكون أغصاناً وسعف أشجار عثر عليها في حديقته أو في الصحراء. ويقوم بدمج هذه الخامات التقليدية المستمدة من بيئته المحيطة في أعماله الفنية ليضفي إحساساً بالحركة في جميع أنحاء تجهيزاته الفنية. وهذا لا يغير الشيء أو يحوله في حد ذاته، ولكنه يثير تساؤلات حول ما اعتاد المشاهد رؤيته بطريقة تقليدية. إن الابتعاد عن التحليلات المنطقية الصارمة، والتساؤل بدلاً من ذلك حول طبيعة التكوين وملاحظة الأعمال بشكل جماعي، يمثل جوهر الفلسفة الفكرية للدكتور يوسف. 

 وعلى الرغم من كونهما في حالة سكون، إلا أنه يُستمع إليهما ويُلاحظان في حالة حركة، بأسلوب مسرحي خالص. وتتجذر الطبيعة التعبيرية وراء هذه المنحوتات في البيئة المحيطة بالفنان وخلفيته الأكاديمية في الفنون الجميلة والتأثيرات الثقافية المتبادلة. وترتبط الأوتاد المصنوعة عند قاعدة التماثيل بالتمثيلات الآسيوية والأفريقية للشخصيات الواقفة. ويمثل وجودها دعماً واستمراراً لوجود الكائن، وهو يقع في جوهر الحركة. وفي الصور المصرية القديمة للحكام، كانت الساق اليسرى المتقدمة للأمام ترمز للرحلة نحو الأبدية؛ وهي حركة تمثل التسامي والخلود. 

بينما تظل أعمال الدكتور يوسف في حالة حركة، فإنها تتجذر أيضاً بشكل كبير في الأرض والتراب الذي استُمدت منه. وتستمر الأرض في سرد قصة هذه الأعمال وتغييرها طالما بقيت موجودة. وهنا تتقاطع أعماله مع أعمال أوتينو. 

يقدم معرض "عزاءٌ في التراب" مجموعة من الأعمال الفنية التي تجسد المادية ومفاهيم التجميع وخرق الفوارق جيل بعد جيل. وذلك لملاحظة المواد وتجربتها في تفردها واجتماعها على حد سواء. وتستكشف المنحوتات المعروضة في هذا المعرض قيم الترابط والاتصال التي يمتلكها العمل الفني في علاقته بالبيئة التي استُمد منها ثم عُرض فيها لاحقاً، مانحة إيانا قصصاً من ثنايا الزمن. وبشكل عضوي طبيعي، تحافظ ماغي أوتينو والدكتور محمد يوسف على علاقة عزاء وطمأنينة مستمرة بين الأيدي التي تبدع والأعمال التي تقف شامخة أمامها. 

– بقلم شما المهيري

اشترك لتلقي آخر المستجدات حول فنانينا ومعارضنا القادمة
اشترك لتلقي آخر المستجدات حول فنانينا ومعارضنا القادمة
اشترك لتلقي آخر المستجدات حول فنانينا ومعارضنا القادمة