في أعمال الفنان ياو أوسو، تُعاد تهيئة الأشياء القديمة ذات القيمة وغرسها بهدف وسرد جديدين.
تتلألأ هذه القطع وتلمع كالجواهر البراقة الملونة بأشكال غائمتها الهندسية المستوحاة من قطع عثر عليها، مثل عملات البيسيوا الغانية وبنسات الولايات المتحدة والستانلس ستيل والخشب. تأسر أعمال ياو أوسو (مواليد 1992) التركيبية والنحتية المشاهدين بسهولة، بفضل أشكالها الساحرة وألوانها النابضة بالحياة التي تتجسد عبر ملمسها اللامع الغني بالقطع التي عثر عليها—التي يتعمق أوسو، كما يوضح، في توظيفها لسرد تاريخ التجارة العالمية والاستعمار، ومعالجة القضايا السياسية على المستويين العالمي والدولي.
تبتكر تركيبات أوسو معالم من الجمال والقيمة من أشياء تُعتبر في الأساس بلا قيمة. ويشكل دمج العملات النقدية المتفرقة من فئة "البيسيوا" جزءاً رئيسياً من توقيع الفنان، وهو ما تطلب منه الخوض في مفاوضات مع البنك المركزي الغاني، الذي لا يزال المصرف الوحيد في البلاد الذي يوزع هذه العملة، مشيراً إلى تلك الإجراءات البيروقراطية من خلال ممارساته الإبداعية. طُرحت العملة لأول مرة في غانا عام 2007 للحد من التضخم المالي، ولكن هذه العملات النحاسية الصغيرة اليوم باتت مفقودة القيمة إلى حد كبير، إذ لا تمثل أي أهمية تُذكر في المناخ المالي الصعب في غانا التي تعاني من آثار التضخم الذي بلغ أعلى مستوياته في أبريل 2022 مقارنة بأغسطس 2009. يتمثل هدف أوسو من هذه العملات عديمة القيمة في غرض آخر: يأمل من خلال فنه ليس فقط في خلق تحف جمالية، بل في إثارة تساؤلات ملحّة حول مسائل الاستقلال الاقتصادي والسياسي في غانا المعاصرة.
تخرج أوسو من جامعة كوامي نكروما للعلوم والتكنولوجيا في كوماسي بدرجة البكالوريوس في الفنون الجميلة قسم الرسم، قبل أن يستكمل دراسته لدرجة الماجستير في الفنون الجميلة من معهد برات في نيويورك حيث يستقر حالياً. عُرضت أعماله في أكرا ولندن، إلى جانب معارض جماعية في نيويورك وأكرا وكوماسي وماليبو ومراكش وبرلين ودبي. فاز بجائزة كوينياهيا للفن المعاصر عام 2018، وحصل على جائزتين من معهد برات عام 2020، وهو العام نفسه الذي عمل فيه منسقاً لسلسلة محاضرات الفنان الزائر في المعهد ذاته، كما ألقى محاضرات عدة كفنان زائر في جامعة كوامي نكروما للعلوم والتكنولوجيا.
ويوضح أوسو قائلاً: "عندما انتقلت للعيش في الولايات المتحدة، أردت تجربة مواد جديدة، وقد أعادني ذلك إلى العملات المعدنية وإلى فكرة القيمة بحد ذاتها. بدأت بدراسة البنس وأهمية النحاس المصنوع منه وعلاقته بعمليات التعدين. وأعدت التفكير في تحويل المادة إلى قيمة، وكيف أن تصوير البنس هو أيضاً تمثيل لرأس الرئيس لينكولن وما يحمله ذلك من دلالات للحرية وتحرير السود، لا سيما بوجودي هنا قادماً من غانا، التي كانت يوماً ما مركزاً رئيسياً لتجارة العبيد".
تأتي لوحة "مقاييس محددة" (2021) كعمل فني مؤثر يُعرض حالياً كجزء من المعرض الجماعي "ماتيريال إيرث" المقام في كريستيز لندن بالتعاون مع معرض إيفي. العمل الذي أنتجه الفنان في الولايات المتحدة يعتمد على مزيج من الستانلس ستيل، والنحاس، والبنسات الأمريكية، والبيسيوا الغانية، والخشب، ليدعو المشاهد إلى التفكير في عواقب الانتقال من عالم طبيعي إلى عالم مادي بفعل الفضلات البيئية—وهو المحور الرئيسي لمعرض "ماتيريال إيرث". من خلال تركيز أوسو على القطع المستعملة والعملات المعدنية الأمريكية والغانية التي أعيد استخدامها، يدفع المشاهد للتفكير في أهمية إحياء كل ما فقدناه ليس فقط على مستوى الماديات بل على مستوى الثقافة والمجتمع.
ويوضح أوسو قائلاً: "أستخدم حالياً الفولاذ والنحاس معاً للبحث في المعنى الكامن وراء هذه المواد البسيطة وكيفية استخراجها لتحويل العملة التي تصنعها، ومناقشة الأفكار المتعلقة باليد العاملة التي أسهمت في إنتاجها. في نهاية المطاف، هي مجرد بنسات ملقاة في كل مكان. فما الذي يعنيه تحويل هذه الأشياء إلى أعمال فنية، وكيف تصبح بدورها عملات جديدة لتكريس حوارات جديدة واستكشاف طرق مختلفة لقراءة التاريخ؟"
يسعى الفنان في جزء كبير من أعماله للتعريف بمساهمات السود والأقليات في التجارة العالمية والمجتمع، ويتساءل: "كيف جرى مكافأتهم وتعويضهم عن تلك المساهمات؟ وكيف تحول عملهم إلى التزام اجتماعي؟" زار أوسو شوارع نيويورك لطرح هذه الأسئلة، فكان للتفاعلات الناتجة دور بارز في صياغة مفهوم أعماله.
ويضيف قائلاً: "كنت أفكر في مدى متانة الرأسمالية الأمريكية التي تبدو قوية كالفولاذ، إذ يعاد استخدام مباني نيويورك القديمة لإنشاء أبنية جديدة باستمرار". بالرغم من متانة هيكلية هذه المباني التي تصنع من خامات مقاومة للخراب، إلا أنها قد تتدمر في غمضة عين وتُمحى معها المجتمعات المحيطة بها.
ويكمل أوسو: "إن استخدام الفولاذ الذي يبدو متيناً وعصياً على التدمير له حدوده الخاصة". يقص الفنان الفولاذ كأنه يقطع ورقة: "أنسج الفولاذ وألويه ليتحول إلى مادة لينة لا تظهر بتلك القوة والصلابة التي عهدناها".
تعد هذه الأعمال بمثابة قراءة نقدية للقوى التي تحكم عالمنا منذ زمن طويل عبر التجارة العالمية، وتأثيراتها المتلاحقة على الأفراد والأمم والثقافات والمجتمعات. ويستطرد قائلاً: "لقد تأثرت بهذا التطور السريع والتغيير المجتمعي الذي يقصي فئة من الناس ليأتي بفئة جديدة، وغالباً ما تكون مجتمعات السود أو الأقليات هي الضحية التي تتعرض للإقصاء والتهميش".
تمثل تراكيب أوسو المتلألئة والساحرة المعروضة في مبادرة "ماتيريال إيرث" محاولة جديدة للوقوف على كيفية هيمنة قوى السلطة على الهياكل الاجتماعية العالمية، وصياغة سردية مختلفة تمنح الأمل والجمال وتخلق هدفاً جديداً لكل ما بدا ذات يوم وكأنه قد ضاع للأبد.