تأسر الشخصيات المشوهة التي يرسمها الفنان الغاني مشاهدها بينما تتأمل في الحالة الإنسانية العالمية
تخترق هذه الشخصيات عينَيّ المشاهد بنظراتها الضخمة التي تبعث منها تحديقات جريئة ومباشرة وقوية. إن أشكالها التعبيرية المشوهة المرسومة بمجموعة متنوعة من الألوان النابضة بالحياة تثير الدهشة والمواساة والأسر في آنٍ واحد. وتفيض بمجموعة من المشاعر المتناقضة في آنٍ واحد؛ الحزن والغضب واليأس والبهجة. إنها وجوه يمكن أن تنتمي لرجل أو امرأة، وإلى أي عرق أو سلالة. تظهر حيادية أحياناً وبلا جنس محدد، بينما تطغى عليها شخصية أكثر أنثوية أو ذكورية في أحيان أخرى. واستناداً إلى الرجال والنساء الذين يلتقيهم إسماعيل يومياً في أكرا، يهدف الفنان إلى أن تتجاوز شخصياته ووجوهه المشوهة حدود العرق والطبقة والجنس وتكون عالمية في تمثيلها ووصولها. وفي حين أن هويتهم الحقيقية لا يكشف عنها الفنان المقيم في أكرا، إسحاق إسماعيل (مواليد 1989)، فإن الطاقة والعاطفة التي تشع من هذه اللوحات الشخصية هي التي تلمس مشاعر المشاهد وتحركها وتثيرها بسهولة.
عرض إسماعيل، الذي درس مثل العديد من معاصريه في كلية غاناتا المرموقة للفنون والتصميم من عام 2009 إلى 2012، أعماله في غانا وخارجها، بما في ذلك نيويورك وميامي ولندن وكيب تاون ودبي. في عامي 2015 و2016، تم ترشيحه لجائزة كوينيهيا للفن المعاصر؛ وفي عام 2016، كان أحد أفضل 100 مرشح نهائي في مسابقة لارتيلييه للفنون برعاية باركليز في جوهانسبرغ، وفي عام 2019، تم ترشيحه لجائزة الفنان الأكثر تأثيراً من جوائز غوبا بالولايات المتحدة الأمريكية.
يوضح إسماعيل كيف أن المنهج التعليمي الذي درسه هو ومعاصروه الآخرون في غاناتا كان يتكون من 80 في المائة من الممارسة الفنية و20 في المائة من النظرية. ويقول: "كنا بحاجة باستمرار إلى ممارسة فننا حتى نتمكن من صقل مهاراتنا في الرسم". "بعد المدرسة أدركت أنه كان عليّ إلغاء ما تعلمته وإعادة التعلم، وكان عليّ أن أنظر إلى عملي في سياق التاريخ". وقد ألهمه عمل جان ميشيل باسكيات وفرانسيس بيكون بشكل خاص. ومع ذلك، يقول إنه لم يأخذهما على محمل الجد عندما كان في المدرسة.
بعد تخرج إسماعيل في عام 2012، بدأ في تطوير ممارسته الفنية وتحسينها. ويقول: "تغيرت اهتماماتي، وأصبحت مفتوناً بالصور والأسطح المشوهة". "أردت تضييق نطاق موضوع عملي ودفعه ودفع إبداعي إلى أبعد من ذلك. وهذا ما قادني إلى استكشاف الأشكال المشوهة التي أعمل عليها الآن".
عندما بدأ إسماعيل في استكشاف الصور المشوهة، قال إن الحوارات التي تدور حول المكان والهوية كانت من أهم الموضوعات في ممارسته الفنية. "كنت مهتماً بكيفية تأثير الثقافة الاجتماعية والواقع السياسي للقرن الحادي والعشرين علينا كبشر. أردت استخدام وجوهي للدفاع عن من لا صوت لهم".
ويهدف إسماعيل، من خلال ملامح الفنان المؤثرة التي تدفع المشاهد للتأمل في أشكالها وميزاتها المشوهة، إلى تصوير مشاعر الناس المتنوعة والمعقدة في حياتهم اليومية. وقد أدرك الفنان مدى كفاح العديد من الناس باستمرار مع عواطفهم ومع تجارب الحياة وتقلباتها. ويقول: "يشعر الكثيرون أنهم لا يستطيعون التعبير عن مخاوفهم أو التحدث عما يمرون به"، مشيراً إلى كيفية تأثره بالأشخاص الذين كان يلتقيهم في رحلاته عبر وسائل النقل العام في أكرا، أو الأفراد في السوق، أو الذين يقودون سيارات أوبر، فضلاً عن الكوارث المتعلقة بالأخبار اليومية. "مثل هذه اللحظات تؤثر على عملي في الاستوديو مما يدفعني لالتقاطها بطريقة عفوية على القماش".
هناك دهشة تشبه دهشة الأطفال في وجوه الفنان وشخصياته المشوهة. ومع أنها تتسم بالوحشية في شكلها، إلا أنها محببة للنفس عند النظر إليها. ينتج إسماعيل العديد من الرسومات التخطيطية، أحياناً من خياله وتارة أخرى من الصور الفوتوغرافية قبل أن ينفذ كل لوحة أو شخصية. وأوضح إسماعيل: "لقد كيّفت تقنيتي مع شكل من أشكال التجريد شبه الطفولي". "العمل ينبض بجاذبية تشبه الحمى الآن. الحياة ليست مثالية، لذلك لا أرى سبباً يدعوني لإنشاء أشكال مثالية". كما أنه يحب العمل في سلسلة بحثاً عن إقامة حوار متبادل بين الأعمال الفنية المتعددة. وبدلاً من إرفاق عناوين بأعماله، يرقمها إسماعيل ثم يضع كلمات من لغة التوي، لغة والدته الغانية. على سبيل المثال، تعني عبارة "أونيبا أنيم 1" (Onipa Anim 1) "الوجه البشري 1" بلغة التوي. ويقول: "أريد استخدام أسماءنا المحلية للوحات الشخصية". وبذلك، يعيد العمل إلى غانا وإرثه ولغته.
من خلال لوحاته، يهدف إسماعيل أيضاً إلى تقديم "تصوير صادق" للأشخاص الذين يصورهم. ويقول: "القلق والوجع والتعاطف؛ أريد التقاط المشاعر التي تجدها في المجتمع". ومع ذلك، فإن شخصيات إسماعيل غامضة أيضاً، وهو يريد أن يُنظر إليها على هذا النحو. فليس لديها هوية أو جنس أو طبقة أو عرق واضح. ويقول الفنان: "إنهم مجهولون ليكون لديهم لغة عالمية". "عندما تنظر إلى هذه الشخصيات تتساءل من أين هم. إنني ألتقط في هذه الأشكال جوانب من غانا وجوانب من المجتمع العالمي".
لا تخترق لوحات إسماعيل المشوهة نظرة المشاهد فحسب، بل إن الدافع العاطفي الذي يشعر به المشاهد يأتي أيضاً من انفجار الألوان فيها. التعبيرات خافتة وكئيبة للغاية، لدرجة أن الحيوية المبهجة لدرجات ألوان الفنان المثيرة تبدو غير متوقعة تقريباً. ويقول: "ليس لدي أي تسلسل هرمي عندما يتعلق الأمر بلوحة الألوان الخاصة بي؛ أريد فقط أن تكون مثيرة للاهتمام". ويضيف أنه يهدف في بعض الأحيان إلى تقسيم الألوان كما هو الحال في الموضة بحيث يكون لون واحد هو المهيمن بدلاً من عدة ألوان في وقت واحد. ويقول: "إنخرطُ كل يوم في الموضة والثقافة الشعبية، وأستعير الألوان من هنا أيضاً". "من خلال الألوان، تتخذ شخصياتي هويات مختلفة تسكن مساحات مختلفة".
هناك الوجه الأزرق والوجه الأسود والوجه الأحمر والوجه الأخضر والوجه الأصفر. ومن خلال القيام بذلك، يدفع إسماعيل حدود ليس اللون فحسب، بل الهوية والعرق أيضاً. ويؤدي استخدام مجموعة هائلة من الألوان إلى حجب أفكار العرق للتركيز بدلاً من ذلك على الفرد وليس لونه. ويؤكد: "لا أريد فقط أن أصنع وجوهاً سوداء؛ إذا كنت أرغب في استخدام اللون الأحمر، فيجب أن أكون قادراً على استخدام اللون الأحمر حتى أتمكن من تزويد شخصياتي بمشاعر متنوعة يمر بها الكثير من الناس الآن ودائماً، وهذا أمر مهم بالنسبة لي".
من خلال الألوان والشكل والتعقيدات العاطفية، تكسر صور إسماعيل كل الحدود. إنهم ليسوا مجرد أفارقة أو غربيين. إنهم مجرد بشر يعيشون ويعانون ويصارعون نفس المشاعر والألم والسعادة والحزن واليأس التي يمر بها الناس في جميع أنحاء العالم. ومن خلال تشوهها ونظرتها الثاقبة، يحرر الفنان شخصياته من الصور النمطية للهوية، ليقدم تعبيراً بصرياً مفاده أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا.